الـمواطـنة قـيمة لاتقبل المقايـضة ولاالمـزايدة






 




 


 

بورخيس في الاخرة -قصة-

كتبهامحمد العنيبي ، في 16 أبريل 2007 الساعة: 19:24 م

    بورخيس في الاخرة

 في الحقيقة ان بورخيس لم يكن يحاكم الاشخاص . ولكنه كان يحاكم التاريخ في قصصه القصيرة المعروفة. وكم من الناس الذين صدرت في حقهم احكام عبر التاريخ كان يجب اعادة محاكمتهم.. لكن الموت حسم كل شيء بالنسبة للحاكم والمحكوم عليه .وبالنسبة لشاهدي الزور والقواد العسكريين والحكام والهوام الذين يسمع طنينهم حولهم ..لكن بورخيس لم يكن في امكانه ان يحاكم  كل هؤلاء البشر الذين مروا  عبر هذا التاريخ الطويل . فعمره كان قصيرا  جدا ( حوالي الثمانين سنة) . وكما قصر عمره كانت قصصه.الا انني تمنيت لو انه حاكم اشخاصا اخرين.لكن بما انه قد مات فقد  اتيحت له فرصة  حضور محاكمة الافشين قائد جيوش المعتصم الذي قال فيه  ابو تمام..

 لقد لبس الافشين قسطلة الوغى///حشا بنصل السيف غير مواكل

وسارت به بين القبائل والقنا/// عزائم كانت كالقنا والقنابل

 لم تتح لبورخيس طيلة حياته القصيرة ان يعرف شيئا عن الافشين القائد العظيم . وربما  ان  بورخيس كان يهتم بالعصر  العباسي من خلال الف ليلة وليلة. وحاكم بعض الاشخاص .فقد جيء  به كشاهد  بعد  وفاته .لحضور  محاكمة الافشين الذي اتهم بالزندقة. واثناء المحاكمة سمع بورخيس تهما غريبة لم تكن تخطر له على بال لانه نصراني.وهذه التهم موجودة عند كثير من المصنفين مثل الطبري والميسعودي وغيرهما.

ظل بورخيس ينظر اول الامر .وهو بلباسه الاوربي الانيق.( ولم تكن معه زوجته الصغيرة)الى هيئة المحكمة .وكانو جميعا بثياب سوداء.وبالمناسبة فقد استعاد بصره بالاخرةبعد ان عمي في الدنيا. ويبدو ان بورخيس لم يفهم جيدا معنى الزندقة  في حياته..بكل تاكيد فانه يعرف ان كل من خرج عن طاعة من له راي واحد فهو  زنديق. وان كل من قال هذا شيء لا يقبله العقل يعتبر زنديقا.وهذا الامر موجود في السند والهند والصين وبلاد العرب وامريكا اللاتينية التي نشا فيها بورخيس. وكم شاهد في عمره القصير ذاك العديد من الذين اتهموا بالزندقة في بلده فعذبوا او قتلوا . ويبدو  ان عينيه عنيتا من كثرة  البكاء عليهم.

قال له احد الجالسين بالقرب منه

-لا تتعجب سيد بورخيس .انها محاكمة عادية وعادلة. وقد تكون شبيهة بما كان يحصل عندكم في امريكا اللاتينية. ولاشك ان الامور لاتزال كما هي في الدنيا.اليس كذلك يا سيد بو رخيس..

-لا ادري .لاني حديث العهد بالوفاة  ثم اني لم اتعود بعد على عاداتكم في الاخرة .

قال رئيس المحكمة.."  اننا نسمع كل شيء  هنا.قل كل شيء.انها الاخرة.لم يعد هنا اليوم بوليس ولا مخبرون ولا رؤساء دول. كلنا متساوون .فقط اردنا ان نسليك وان نستعيد ذكريات تلك الدنيا التي ما يزال الناس يعتقدون بكل تاكيد انهم خالون فيها " .

 قال بورخيس وهو يسعل

- عفوك سيدي الرئيس. هل تعرف اسمي..

- بطبيعة الحال  .الناس كلهم هنا في الاخرة يعرفون اسماء بعضهم .وعلى سبيل المثال  فانا  استطيع ان اقول لك اسم الرجل الذي بجوارك. انه يزدان بن  باذان . وقد  قتل في نفس العصر  بتهمة الزندقة.ولذلك اعتقد .انه بدل ان يذهب لكي يتفسح فقد علم بالخبر وجاء  ليستعيد ذكريات الماضي ولكي يعرف كيف كان يحاكم الزنادقة. او على الاصح . كيف فرض علينا ان نحاكمهم خوفا  من ان نقتل.

 قال بورخيس

- لكننا سيدي الرئيس…

-اعرف . اعرف. لاتخاطبني بسيدي الرئيس.  فهنا لم يعد رئيس ولا مرؤوس.لكننا فقط اردنا ان  نسليك ولكي نسترجع اخطاءنا. يا لها من حياة سخيفة.. انهم ما يزالون يتعبون فيها هناك ويقتلون ويجوعون بعضهم  بعضا. والحقيقة ان من مات  والتحق بنا هنا فقد استراح. انظر خلفك يا اخ بورخيس. رغن انني عشت في العصر العباسي .فانني اعرف ذلك الشخص . اسمه هيلاسي لاسي كان امبراطورا للحبشة..

-انه من العصر الذي عشت فيه. اعرف جيدا . لكنه يبدو كانه مهموم..

-ليس م هموما  .ولكنه يفكر في كتابة قصيدة جديدة عن كلابه. واحيانا يذهب الى جناح الايطاليين الذين حاربهم ويشرب معهم كاسا.

 قال بورخيس ..

-لم اكن اعرف انه كان يكتب الشعر في الدنيا.

- في الاخرة كل شيء ممكن.على  كل حال . فالحديث يطول.لكن نحن لسنا بصدد كل هذا الان.

تنحنح الرئيس والتفت حواليهولقي الموافقة  من الجميع .فقال محمدا بن عبد الله الزيات ملتفتا الى احمد بن ابي داوود.

اذكر باختصار التهم الموجهة الى الافشين قائد المعتصم.  وعلى فكرة .فانهما لا شك يشربان معا في مكان ما. اذا دخلا الحنة. لكن الله غفور رحيم

قال احمد بن ابي داوود..

التهم كثيرة .منها القتل والسبي والنهب والتخريب وحرق  المزروعات الفى اخره.. لكننا وثقنا ستا منها وهي لا تزال محفوظة عندهم في الدنيا.ارى ان نلخصها للكاتب الكبير بورخيس .الذي جاء من القرن العشرين الميلادي. وبطبيعة الحال فسوف يلتحق به وبنا اخرون. بمن فيهم كاتب هذه القصة.

فقال محمد بن عبد المالك الزيات لاحمد بن داوود.

اذكر لنا التهم  التهم التي وجهنا للافشين . حتى لا نثقل  على الكاتب الكبير.ربما كان له موعد في مكان اخر..

قال احمد بن داوود..

 -حاضر. لقد اصدرنا حكم الاعدام في حق الافشين. والذين نفذوا فيه حكم الاعدام لاشك انهم يتجولون في هذا العالم الفسيح اللامتناهي.

قال بورخيس..

 -لا شك انهم في الدرك الاسفل من  النار كما قرات في كتاباتكم. ولاشك ان الاغلال في اعناقهم وارجلهم..

ضحك الرئيس وقال لاحمد بن ابي داوود..

-اقرا التهم المنسوبة  الى الافشين

 قال احمد..

-نحن في جلسة اخوية نؤنس بها ضيفنا الجديد في الاخرة.

-طيب .لا يهم. التهم التي كانت موجهة للافشين كانت ستا. وقد اوردها احمد امين نقلا عن الطبري والمسعودي وكلهم موجودون هنا..

التهمة الاولى..ضرب رجلين بالسوط حتى عريت ظهورهمامن اللحم.لانهما حولا مكانا لعباجة الاصنام واصبح ا حدهما اماما  والاخر مؤذنا

 2- كان في بيته كتاب زين بالذهب والجوهر و الديباج. فيه كفر بالله.  وعندمارد على على هذه  التهمة قال بانه ورثه عن اجداده. وانتفع بما فيه من ادب وترك ما فيه من كفر.

3-اتهم ايضا بانه كان ياكل المخنو قة ويزعم انها ارطب من الم ذبوحة. وهذا شيء يتنافى مع الاسلام .

4-واتهم بان اهل م كة كانوا يكتبون اليه باللغةالاشرو ستية.ما تفسيره بالعربية  . " الى اله الالهة "..فماذا ابقى بعد لفرعون  اذ يقول " انا ربكم الاعلى ".

تنحنح الرئيس  وقال ..

-معاذ الله. اكمل  اكمل يا احمد

استمر احمد

اما التهمة الخامسة.فان اخ الافشين  كتب ذات مرة .  وقد عثر على ذلك الخطاب الموجه الى "فوهيار" يقولف .."انه ليس من ينصر هذا الدين من المجو سية  الا انا وانت و بابك…" الخ..ومعي الفرسان و اهل النجدة والباس.فان و جهت اليك  لم يبق احد يحاربنا الا ثلاثة.. العرب والمغاربة والاتراك . والعربي بمنزلة  الكلب اطرح له كسرة. ثم ارم راسه بالدبوس.وهؤلاء الذباب . اي المغاربة انما هم اكلة راس. واولاد  الشياطين هم  الاتراك. فانما هي ساعة  حتى تنفذ سهامهم.ثم  تجو ل عليهم الخيل فتاتي على اخرهم.

جاء رجل بكؤوس كان  يوزعها على الحاضرين.لم يكن بورخيس يفهم شيئا مما يدور حوله.فقال .لكن ما هي التهمة  التي اودت بالافشين الى الاعدام.

شرب احمد جرعة من كاسه ثم قال  ..

-كانك متعجل ياسيد بورخيس. التهمة السادسة التي افاضت الكاس هي كالتالي ..  لقد اتهم  بترك الختان. وضجت القاعة بالضحك. وضحك بورخيس كذلك حتى  دمعت عيناه.ثم قال لاحمد..  

- وماذا ف(ي ذلك.انا ايضا  تركت الختان طيلة الثمانين سنة التي قضيتها هناك. وهل دافع عن نفسه

 فقال احمد

 نعم سيد بورخيس. لقد قال بانه خاف ان يقطع ذلك من جسده  فيموت. وما علم ان في ترك الختان الخروج على الاسلام

قال بورخيس 

 لقد كانت محاكمة غريبة حقا في دلك العصر. وماذا فعلتم به بعد ذلك..

 قال الرئيس.

- لقد حبسوه ومنعوا عنه الطعام والشراب الى ان مات.ثم صلب واحرق بالنار/ اسال الطبري وابن الاثير وابن خلدون فهم كلهم موجودون هنا في الاخرة التي هي الاولى.

 وقف بورخيس . وتقدم من هياة المحكمة وقال.

-يالكم من اناس طيبين  تعرفون كيف ترحبون بالاموات.ولو كنت اعرف منذ زمان ان هذا العالم جميل لانتحرت. وعلى كل حال فلتبق هذه القصة سرية .لانهم لوا علموا هناك بان هذا العالم جميل  لانتحروا جماعيا. الا انهم يفعلون ذلك بطريقة اخرى.  مساكين..

    -محمد زفزاف ..  بائعة الورد   

  

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص مختارة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “بورخيس في الاخرة -قصة-”

  1. قصة جميلة..سبق أن قرأتها..تحياتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر